فخر الدين الرازي

218

تفسير الرازي

وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا ، فهداه الله بقوله : * ( فلنولينك قبلة ترضاها ) * ( البقرة : 144 ) فكأنه سمي ذلك التحير بالضلال الثالث عشر : أنه حين ظهرها له جبريل عليه السلام في أول أمره ما كان يعرف أهو جبريل أم لا ، وكان يخافه خوفاً شديداً ، وربما أراد أن يلقي نفسه من الجبل فهداه الله حتى عرف أنه جبريل عليه السلام الرابع عشر : الضلال بمعنى المحبة كما في قوله : * ( إنك لفي ضلالك القديم ) * ( يوسف : 95 ) أي محبتك ، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك الخامس عشر : ضالاًّ عن أمور الدنيا لا تعرف التجارة ونحوها ، ثم هديتك حتى ربحت تجارتك ، وعظم ربحت حتى رغبت خديجة فيك ، والمعنى أنه ما كان لك وقوف على الدنيا ، وما كنت تعرف سوى الدين ، فهديتك إلى مصالح الدنيا بعد ذلك السادس عشر : * ( ووجدك ضالاًّ ) * أي ضائعاً في قومك ؛ كانوا يؤذونك ، ولا يرضون بك رعية ، فقوي أمرك وهداك إلى أن صرت آمراً والياً عليهم السابع عشر : كنت ضالاً ما كنت تهتدي على طريق السماوات فهديتك إذ عرجت بك إلى السماوات ليلة المعراج الثامن عشر : ووجدك ضالاًّ أي ناسياً لقوله تعالى : * ( أن تضل إحداهما ) * ( البقرة : 282 ) فهديتك أي ذكرتك ، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة ، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال : " لا أحصي ثناء عليك " التاسع عشر : أنه وإن كان عارفاً بالله بقلبه إلا أنه كان في الظاهر لا يظهر لهم خلافاً ، فعبر عن ذلك بالضلال العشرون : روى علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته ، فإني قلت ليلة لغلام من قريش ، كان يرعى معي بأعلى مكة ، لو حفظت لي غنمي حتى أدخل مكة ، فأسمر بها كما يسمر الشبان ، فخرجت أريد ذلك حتى أتيت أول دار من دور مكة ، فسمعت عزفاً بالدفوف والمزامير ، فقالوا فلان ابن فلان يزوج بفلانة ، فجلست أنظر إليهم وضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ، قال فجئت صاحبي ، فقال ما فعلت ؟ فقلت ما صنعت شيئاً ، ثم أخبرته الخبر ، قال : ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله تعالى برسالته " . * ( وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَى ) * . أما قوله تعالى : * ( ووجدك عائلاً فأغنى ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : العائل هو ذو العيلة ، وذكرنا ذلك عند قوله : * ( أن لا تعولوا ) * ( النساء : 3 ) ويدل عليه قوله تعالى : * ( وإن خفتم عيلة ) * ( التوبة : 28 ) ثم أطلق العائل على الفقير ، وإن لم يكن له عيال ، وههنا في تفسير العائل قولان : الأول : وهو المشهور أن المراد هو الفقير ، ويدل عليه ما روى أنه في مصحف عبد الله :